د. محمد سليم يكتب..أمن الطاقة المصري وخفض الغاز الإسرائيلي 50%.. هل هو جس نبض للقادم؟حصار غاز وحصار مياه وما بينهما
الأحد 23-08-2026 17:27
تم الإعلان عن خفض إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر بنحو 50% بصورة مؤقتة يعيد ملف أمن الطاقة المصري إلى الواجهة، فالمعلن أن الخفض مرتبط بأعمال صيانة، لكن الأهم مهنيًا ليس مدة التوقف، بل ما يكشفه من ارتفاع حساسية منظومة الطاقة المصرية لأي اضطراب في مصدر خارجي أصبح مؤثرًا في توازن الغاز المحلي.الأرقام توضح حجم التحول،
فقد انخفض إنتاج مصر من الغاز الطبيعي من أكثر من 6 مليارات قدم مكعب يوميًا في مطلع 2021 إلى نحو 3.5 مليارات قدم مكعب يوميًا في أبريل 2025، أي تراجع تجاوز 40% تقريبًا، وفي الوقت نفسه ارتفع الاعتماد على الاستيراد، وعادت مصر إلى شراء شحنات LNG منذ 2024 لتعويض جزء من الفجوة.
وقد نوهت في مقالات سابقة إلى أن استمرار انخفاض الإنتاج المحلي دون تعويضه بالسرعة الكافية يؤدي عمليًا إلى تعظيم دور الغاز الإسرائيلي في مزيج الطاقة المصري. والواقع أن الغاز الإسرائيلي مثل في بعض الفترات نحو 20% من إجمالي استهلاك الغاز المصري، وما يصل إلى 60% من إجمالي واردات الغاز.هذه النسبة تجعل أي توقف أمرًا يتجاوز حدود قطاع البترول، ففي يونيو 2025 أدى توقف الإمدادات الإسرائيلية نتيجة التطورات العسكرية إلى توقف بعض مصانع الأسمدة، واضطرت محطات الكهرباء إلى زيادة استخدام المازوت كوقود بديل.
كما أعلنت إسرائيل حينها بوضوح أن احتياجاتها المحلية لها الأولوية قبل التصدير.وهنا تتضح قاعدة أساسية في أمن الطاقة: أرخص مصدر ليس بالضرورة أكثر المصادر أمنًا.فسعر الغاز الحقيقي لا يجب أن يُحسب فقط بالدولار لكل مليون وحدة حرارية من المنبع، وإنما بإضافة تكلفة مخاطر الانقطاع، والوقود البديل، وشحنات LNG، وإعادة التغويز، والنقل، والعملات الأجنبية، والأثر المحتمل على الصناعة والكهرباء.
وقد ظهر حجم هذه التكلفة بالفعل؛ ففي يونيو 2026 استوردت مصر نحو 1.06 مليون طن من LNG من الولايات المتحدة وحدها خلال شهر واحد حتى أصبحت مصر اكبر مستورد للغاز في منطقة الشرق الاوسط، وكانت تدفع علاوات سعرية للوصول إلى الشحنات في سوق عالمية شديدة المنافسة.حصار غاز وحصار مياها
لمشهد يصبح أكثر حساسية عند ربط أمن الطاقة بأمن المياه، حيث ان مصر تعتمد بصورة رئيسية على مياه نهر النيل القادمة من خارج حدودها، وفي الوقت نفسه أصبح جزء مهم من احتياجات الطاقة مرتبطًا أيضًا بإمدادات تأتي من الخارج.
وهنا لا نتحدث عن «حصار» واقع بالفعل، وإنما عن مخاطر استراتيجية متزامنة في اثنين من أهم عناصر الأمن القومي: المياه والطاقة وتزداد احتمالات المخاطر في ظل الظروف الجيوسياسية الحالية.
لذلك فإن تعظيم الإنتاج المحلي من الغاز وخاصة بعد سداد كامل المديونية للشريك الاجنبى، والتوسع السريع في الطاقة الشمسية والرياح مع أنظمة التخزين BESS، وتحسين كفاءة الطلب وكفاءة محطات الكهرباء وخفض الفقد وسرقات التيار، وتطوير الربط الكهربائي، ودخول الطاقة النووية، وتنويع مصادر الاستيراد، لم تعد مجرد اختيارات فنية، وإنما عناصر لبناء مناعة استراتيجية للدولة.خفض الغاز الإسرائيلي الحالي بنسبة 50% قد يكون حدثًا فنيًا مؤقتًا، لكنه يقدم إنذارًا مبكرًا واختبارًا واقعيًا لمرونة المنظومة المصرية ولا استبعد انه بالون اختبار لقطاعى الطاقة في مصر.وحين تتزامن مخاطر المياه والطاقة، يصبح تنويع المصادر وتعظيم الاعتماد على الموارد الوطنية قضية أمن قومي قبل أن تكون قضية تكلفة أو اقتصاد
.د.م. محمد سليماستشارى الطاقة والطاقة المتجددةالقاهرة فى 23/8/2026


