رئيس التحرير
ads

د.محمد سليم يكتب ..الطاقة الشمسية على أسطح المباني في مصر بين الرؤية والتنفيذ

الأربعاء 07-01-2026 11:38

د. محمد سليم

د. محمد سليم

د.محمد سليم يكتب ..الطاقة الشمسية على أسطح المباني في مصر بين الرؤية والتنفيذ

أُعلن مؤخرًا عن التعاون بين «كهرباء مصر» و«العربية للتصنيع» لتأسيس شركة متخصصة في تشغيل وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية على أسطح المباني. هذا الإعلان لا يمثل مجرد خطوة تنفيذية، بل يُعيد إلى الواجهة رؤية مؤسسية طُرحت مبكرًا منذ أكثر من عشر سنوات، عندما تم تقديم مقترح متكامل لإنشاء «الشركة المصرية لكفاءة الطاقة والطاقات المتجددة» كذراع وطني متخصص يقود التحول في الطاقة الشمسية الموزعة وكفاءة الطاقة.
هذه الحالة الدراسية توثّق الفجوة الزمنية بين الفكرة والتنفيذ، وتُحلّل أسباب التأخير، ودروس التعلم، وكيف تحققت الرؤية أخيرًا حتى بصيغة جزئية بعد عقدٍ من الزمن ان تأتى متأخرا خيرا من ان لا تأتى.
أولًا: الخلفية والسياق المؤسسي (2014)
في إطار عملي بقطاع المراقبة المركزية للأداء بـ الشركة القابضة لكهرباء مصر، تم إعداد مذكرة رسمية تتم عرضها على رئيس مجلس الإدارة وتقترح تأسيس شركة وطنية متخصصة في:
كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة، الطاقة الشمسية على أسطح المباني، والعمل وفق نماذج ESCo دون تحميل الموازنة أعباء رأسمالية مباشرة.
وقد استند المقترح إلى مبررات استراتيجية وفنية واقتصادية، أبرزها:
تسارع الطلب على الكهرباء وذروات الأحمال،
ارتفاع تكلفة الوقود والدعم وتأثيره على الموازنة،
تعاظم الاستثمارات المطلوبة في محطات التوليد والشبكات،
التخوف من عدم تحقيق مستهدفات الطاقة المتجددة،
التقدم التكنولوجي وانخفاض تكلفة الخلايا الشمسية،
امتلاك قطاع الكهرباء خبرات بشرية وهندسية مؤهلة.
توثيق المقترح الأصلي: المذكرة الرسمية المرفوعة آنذاك تتضمن الخلفية والأهداف ونطاق العمل المقترح للشركة الوطنية المتخصصة (متوفرة)

ثانيًا: الرؤية المقترحة – ما الذي كان مطلوبًا؟
المقترح لم يكن مشروعًا تقنيًا محدودًا، بل كيانًا مؤسسيًا بمهام واضحة، منها:
تنفيذ برامج قومية في كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة،
إدارة مشروعات RTPV (الطاقة الشمسية الموزعة) على المباني الحكومية والخاصة،
إعداد واعتماد مراجعي طاقة وفق معايير دولية،
تقديم الاستشارات وإدارة الإنشاء،
التحقق من جودة المعدات ومنع دخول المنتجات الرديئة للشبكة،
الإشراف على الربط بالشبكة وإصدار تقارير دورية،
حملات توعية وطنية وشهادات الطاقة النظيفة،
الانفتاح على السوقين العربي والإفريقي.
كانت الرؤية واضحة:
بديلًا من الاعتماد على مبادرات فردية للمواطنين، يكون هناك كيان وطني منظم يقود، ينفذ، ويراقب.
ثالثًا: لماذا لم يتحقق المقترح آنذاك؟
رغم وجاهة الطرح، لم يُنفذ في حينه لأسباب مؤسسية معروفة دون الخوض في أسباب شخصية، من بينها:
غياب كيان تنفيذي مخصص للطاقة الشمسية الموزعة داخل هيكل الشركة القابضة لكهرباء مصر.
التركيز على محطات الإنتاج المركزية الكبرى على حساب الطاقة الموزعة.
تداخل الأدوار بين التخطيط والتنفيذ والرقابة.
غياب نموذج أعمال واضح آنذاك لربط هذه المحطات بسوق الكهرباء.
عدم استيعاب الأثر الاقتصادي الكلي للطاقة الشمسية على الأسطح (خفض الوقود، خفض الاستثمارات، خفض الفقد).
رابعًا: التحول المتأخر – ماذا تحقق اليوم؟
بعد أكثر من عشر سنوات، نشهد اليوم:
تأسيس شركة متخصصة بالتعاون بين كهرباء مصر والعربية للتصنيع
تركيز واضح على تشغيل وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية على أسطح المباني،
اعتراف ضمني بأن RTPV ليست نشاطًا هامشيًا، بل جزءًا من أمن الطاقة.
ورغم أهمية الخطوة، فإنها:
تحقق جزءًا من الرؤية الأصلية لتركيزها على التشغيل والصيانة (O&M)،
ولا تزال بحاجة إلى استكمال الأبعاد الأخرى: التخطيط، الاعتماد، الجودة، ونماذج الأعمال المتكاملة لسوق الكهرباء.
خامسًا: الدروس المستفادة (Lessons Learned)
الأفكار الاستراتيجية الصحيحة لا تسقط… لكنها قد تتأخر.
غياب الكيان المؤسسي يُحوّل المبادرات إلى جهود فردية ويحيلها للتقاعد مبكرا.
الطاقة الشمسية على الأسطح ليست مسألة تقنية فقط، بل حوكمة ونموذج سوق.
الفصل بين الإدارة الاستراتيجية والتنفيذ شرط للنجاح.
تأخير عشر سنوات يعني تكلفة وقود واستثمارات مهدرة كان يمكن توفيرها.
وأخيرا وليس اخرا
هذه الحالة الدراسية ليست سردًا لتاريخ شخصي، بل توثيق لمسار مؤسسي يثبت أن:
الرؤية المبكرة المدعومة بالتحليل الفني والاقتصادي قد تتأخر لظروف مؤسسية او شخصية، لكنها في النهاية تجد طريقها للتنفيذ.
وما تحقق اليوم خطوة إيجابية، لكنها بداية المسار… لا نهايته مع اطيب الامنيات وصادق الدعوات بالتوفيق والنجاح.
د. م. محمد سليم
استشاري الطاقة والاستدامة
رئيس قطاع المراقبة المركزية للأداء – سابقًا
عضو المجلس العربي للطاقة المستدامة

ads

اضف تعليق