رئيس التحرير
ads

د. محمد سليم يكتب.. مهارات العرض والتقديم وبناء الجدارات المتكاملة..ضرورة للمهندس والقائد المعاصر

الأحد 10-05-2026 15:05

د. محمد سليم

د. محمد سليم

أعادت بعض المواقف المهنية المتداولة مؤخرًا فتح نقاش مهم حول طبيعة الجدارات المطلوبة للمهندس أو المدير أو المسؤول الفني في مواقع العمل والمشروعات الكبرى. فهل يكفي أن يكون الإنسان متمكنًا فنيًا فقط؟ وهل المعرفة الهندسية أو الإدارية وحدها تضمن حسن تمثيل المؤسسة أمام القيادات أو المستثمرين أو المجتمع؟ أم أننا أصبحنا أمام مرحلة تتطلب جدارات متكاملة Competency-Based Skills تجمع بين المعرفة، والمهارة، والسلوك، والقدرة على التواصل والعرض والإقناع؟
الحقيقة أن واقع العمل الحديث يؤكد أن المهارة الفنية وحدها لا تكفى ، بل بما يتمتع به من جدارات متكاملة إدارية وقيادية وسلوكية تمكنه من التصرف في المواقف العملية، وكيف يشرح ويعرض ويدافع عن مشروعه أو فكرته أو قراره أمام أصحاب المصلحة. فقد يكون المهندس متميزًا في التصميم أو التنفيذ أو التشغيل أو الصيانة، لكنه قد لا يكون مستعدًا للحديث أمام قيادة عليا، أو لجنة تقييم، أو جهة تمويل، أو جمهور، أو كاميرا. وهنا لا يكون الأمر عيبًا في الكفاءة الفنية، بل نقصًا في جانب مهم من جوانب الجدارة المهنية.
إن مهارات العرض والتقديم Presentation Skills والحديث المجتمعي Public Speech لم تعد مهارات إضافية أو شكلية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من متطلبات القيادة الفنية والإدارية. فالمهندس أو المدير في أي مشروع لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل الجهة التي يعمل بها، ويمثل جودة المشروع، ويعكس صورة المؤسسة أمام الآخرين. وقد يظلم ضعف العرض مشروعًا ناجحًا، كما قد يقلل الارتباك من قيمة مجهود كبير بُذل على الأرض.
ومن هنا تظهر أهمية مفهوم بناء الجدارات المتكاملة Competency-Based Development، وهو مفهوم يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: المعرفة Knowledge
وهي ما يمتلكه الفرد من معلومات فنية، وإدارية، وتشريعية، ومالية، وتنظيمية مرتبطة بمجال عمله.
ثانيًا: المهارة Skill
وهي قدرته على تطبيق هذه المعرفة في الواقع العملي، سواء في التحليل، أو حل المشكلات، أو اتخاذ القرار، أو إدارة الوقت، أو العرض والتقديم ، أو التعامل مع الآخرين.
ثالثًا: السلوك المهني Attitude and Behavior
وهو طريقة التصرف تحت الضغط، واحترام قواعد العمل، والقدرة على التواصل، والتعامل مع الأسئلة الصعبة، وتمثيل المؤسسة بثقة واتزان.
ولذلك فإن إعداد المهندس أو القائد لا يجب أن يقتصر على التدريب الفني فقط، بل يجب أن يشمل حزمة متكاملة من الجدارات، منها: التواصل الفعال، إعداد العروض، الحديث أمام الجمهور، إدارة الاجتماعات، العمل الجماعي، إدارة النزاعات، التفكير النقدي، حل المشكلات، إدارة المخاطر، التفاوض، كتابة التقارير، واستخدام لغة الأرقام في عرض المواقف الفنية والاقتصادية.
وفي المشروعات الكبرى تحديدًا، لا يكفي أن يعرف المسؤول أن المشروع يسير جيدًا، بل يجب أن يستطيع أن يشرح بوضوح: ما هدف المشروع؟ ما نسبة التنفيذ؟ ما التحديات؟ ما التكلفة؟ ما العائد؟ ما المخاطر؟ ما المطلوب من متخذ القرار؟ وما الأثر المتوقع على المواطن أو المؤسسة أو الاقتصاد؟
هذه الأسئلة البسيطة تحتاج إلى إعداد مسبق، وتدريب، وتنظيم للرسالة. فالعرض الجيد ليس كلامًا طويلًا، بل هو قدرة على ترتيب المعلومة وتقديمها في الوقت المناسب وباللغة المناسبة للجمهور المناسب.
ومن المهم أن ندرك أن الارتباك في العرض لا يعني بالضرورة ضعفًا في الكفاءة الفنية، بل قد يكون نتيجة غياب التدريب على المواقف العملية. لذلك، فإن دور المؤسسات والهيئات والنقابات ومراكز التدريب يجب أن يتجه إلى إعداد الكوادر بطريقة أكثر شمولًا، بحيث لا ننتظر وقوع المواقف الصعبة ثم نلوم الأفراد، بل نبني جاهزيتهم قبل أن يقفوا في مثل هذه المواقف.
إن بناء الصف الثاني والثالث من القيادات الفنية والإدارية يتطلب برامج منظمة تعتمد على المحاكاة العملية، وليس المحاضرات النظرية فقط. فالمدرب الناجح لا يكتفي بشرح مهارات العرض، بل يجعل المتدرب يعرض مشروعًا، ويرد على أسئلة، ويتعامل مع مقاطعة، ويشرح أمام مجموعة، ويختصر تقريرًا فنيًا في دقيقتين، ويحوّل المعلومة المعقدة إلى رسالة واضحة ومقنعة.
وهذا ما طالما نادينا به: أن يكون إعداد المهندس قائمًا على الجدارات المتكاملة، لا على المعارف المنفصلة. فالمهندس المعاصر يجب أن يعرف، ويطبق، ويتواصل، ويقود، ويفاوض، ويعرض، ويقنع، ويمثل مؤسسته بصورة مشرفة.
وفي هذا الإطار، أؤكد استعدادي للمساهمة في تصميم وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة لبناء الجدارات المتكاملة للمهندسين والمديرين والقيادات الشابة، سواء من خلال نقابة المهندسين أو من خلال الجهات والمؤسسات والشركات الراغبة في تطوير كوادرها، أو من خلال التواصل المباشر للراغبين في تنظيم مجموعات تدريبية مهنية متخصصة.
إن الاستثمار في بناء الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في المعدات والمشروعات والبنية التحتية. فالمشروع الناجح يحتاج إلى عقول قادرة على التخطيط والتنفيذ، وألسنة قادرة على الشرح والإقناع، وسلوك مهني قادر على تحمل المسؤولية.
وأخيرا وليس اخرا فان المهندس الناجح اليوم ليس فقط من يعرف التقنيات والبرامج ولكن من يتحلى بجدارات تمكنه من أداء مهامه باحترافية ويمثل مؤسسته بثقة واحترام. ومن هنا، فإن بناء الجدارات المتكاملة أصبح ضرورة مهنية ووطنية لإعداد كوادر قادرة على التعامل مع تحديات سوق العمل ومشروعات التنمية بثقة وكفاءة.

ads

اضف تعليق