رئيس التحرير
ads

محمد سليم يكتب ..جلسات الكوتش وصناعة القادة: بين التحفيز المؤسسي والانحرافات التنظيمية

السبت 30-08-2025 12:26

د. محمد سليم

د. محمد سليم

 

في عصر التغيير المتسارع، لم تعد القيادة تُقاس بالأقدمية أو السلطة، بل بقدرتها على بناء الإنسان وتوجيهه لتحقيق أهداف مؤسسية مستدامة.، ومن واقع تجربتي الشخصية في برنامج إعداد القادة، أدركت حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه أدوات الإدارة الحديثة مثل جلسات الكوتشينج Coaching Sessions والتطوير الفردي في رفع الأداء وخلق بيئة عمل محفزة.

لكن في المقابل، نرى في مؤسساتنا العربية أن العديد من العاملين يحصلون على دورات تدريبية نظرية جيدة، دون أن تجد طريقها إلى التطبيق العملي أو التمكين الحقيقي داخل بيئة العمل.، وهنا تظهر الفجوة المؤلمة بين امال التطوير والقدرة على التنفيذ لصناعة القائد.

 

أولًا: ما هي جلسة الكوتش؟

جلسة الكوتش هي لقاء فردي بين الموظف ومديره المباشر، تهدف إلى:

تعزيز الإيجابيات والنجاحات.

مناقشة نقاط التحسين بلغة بنّاءة.

وضع خطة تطوير واقعية قابلة للقياس.

تحقيق اتساق بين أداء الموظف وأهداف المؤسسة.

يتم ذلك في بيئة عمل محفزة وتتسم بالشفافية وتعزيز الثقة والاحترام المتبادل والتركيز على التمكين وليس السيطرة والسطوة.

 

ثانيًا: أدوات الإدارة الحديثة في تمكين القادة

ترتكز النماذج الحديثة في الإدارة مثل القيادة التحويلية Transformational Leadership، والقيادة الخدمية Servant Leadership، والقيادة بالكوتشينج Coaching Leadership على المبادئ التالية:

ثالثًا: المشهد العربي… الانحراف عن المفهوم

في كثير من المنظمات العربية، تغيب هذه المبادئ لحساب:

غياب الحوار الحقيقي بين العامل ورئيسه.

ثقافة “افهم لوحدك”: حيث يُتوقع من الموظف أن يتنبأ بتوقعات المدير دون توجيه.

تقديم الولاء الشخصي على الأداء المؤسسي.

رئيس يرفض النقد ويعتبر الكوتشينج تهديدًا لا أداة تطوير.

يُكافأ من يتماشى مع شخصية المدير، لا من ينجز، ويُقصى من يطرح حلولًا مبدعة تُحرج الجمود الإداري، كل ذلك في مناخ تنظيمي غير صحي يتسم بالغموض والمحاباة.

 

رابعًا: الأثر السلبي لغياب الكوتشينج الفعّال

نتائج هذه الثقافة على المؤسسة تشمل:

تآكل الثقة التنظيمية.

هروب الكفاءات وارتفاع معدلات الاستقالة.

تجميد الإبداع والمبادرة.

انهيار خطط الإحلال الوظيفي.

هيمنة القائد الأوحد وغياب الجيل الثاني من القادة.

 

خامسًا: نموذج عملي لتطبيق جلسات الكوتش

التطبيق الناجح لجلسات الكوتش يتطلب:

 

 

سادسًا: التوصيات لصناعة بيئة قيادية حقيقية

اعتماد برنامج تدريبي للمشرفين حول مهارات الكوتشينج.

إدراج جلسات الكوتش ضمن تقييم الأداء السنوي.

فصل التقييم الإداري عن العلاقات الشخصية.

تعزيز بيئة الإبلاغ الآمن عن التجاوزات والتمييز.

تبني مؤشرات لقياس الأثر المعنوي والنفسي للقيادة.

 

سابعًا: من الشكوى إلى التغيير – أزمة غياب القنوات الرسمية للحوار

في السنوات الأخيرة، امتلأت صفحات السوشيال ميديا بشكاوى موظفين يشعرون بالظلم، والتهميش، وسوء المعاملة في مؤسساتهم. لكن الملفت أن معظم هؤلاء لا يدركون الأسباب الحقيقية خلف تلك المعاناة، ولا يجدون من يوجّههم أو يفتح لهم نافذة للحوار البنّاء داخل المؤسسة.

ويرجع ذلك إلى غياب قنوات التواصل الرسمية مثل جلسات الكوتش أو تقييمات الأداء الشفافة، ما يدفع الموظف للجوء إلى الفضاء الرقمي بحثًا عن تفريغ الغضب، أو استجداء العدالة، بدلًا من حل مؤسسي داخلي يراعي كرامته ويعالج جذور المشكلة.

إن دائرة الشكوى لا تنكسر إلا بقيادة تستمع وتُشرك وتُوجه، وموظف يدرك أن صوته مسموع، وتقييمه لا يخضع للأهواء. وعندما يتحول “الفضفضة العشوائية” على المنصات الإلكترونية إلى جلسات حوارية منتظمة داخل بيئة العمل، نصنع عندها بيئة عمل حقيقية تستبق الانفجار بالتفاهم، وتستبدل التشكيك بالثقة.

 

خاتمة

لقد آن الأوان أن تنتقل مؤسساتنا من الشعارات إلى الممارسات، ومن تقديم الشهادات التدريبية إلى تفعيلها على أرض الواقع من خلال بيئة عمل تشجع الحوار، وتُرسّخ ثقافة التطوير المستمر، وتُقدّر الكفاءات بعيدًا عن الشخصنة.

فما حصلت عليه من تجربة فريدة في برنامج إعداد القادة لم يكن مجرد تدريب نظري، بل كان رؤية متكاملة لكيفية تمكين القادة داخل المؤسسات من خلال أنظمة تقييم شفافة، وحوارات دورية بنّاءة، وتدريب عملي يربط الفرد برؤية المؤسسة.

وفي هذا الإطار، يسعدني أن أُعلن عن استعدادي التام للتعاون مع المؤسسات الجادة لتصميم وتنفيذ برامج تدريبية تطبيقية متكاملة بشرط قناعة القيادة ومتخذ القرار بأهمية تنفيذ التدريب وتشمل:

إعداد وتأهيل القيادات في مختلف المستويات.

نشر ثقافة الكوتشينج والتغذية الراجعة البنّاءة.

تحويل خطط التدريب إلى نتائج ملموسة على الأداء المؤسسي.

دعونا نبدأ مرحلة جديدة… مرحلة صناعة القائد المؤسسي لا التابع الإداري.

ads

اضف تعليق